جمال الدين بن نباتة المصري
145
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
رأيته يمشى ويلتفت في الأماكن والطرق ، فعلمت أنه غريب ، ورأيت « 1 » على ثوبه حمرة تراب واسط ، فعلمت أنّه من أهلها ، ورأيته يمرّ بالصبيان فيسلّم عليهم ولا يسلّم على الرّجال ؛ فعلمت أنه معلّم ، ورأيته إذا مرّ بذى هيئة لم يلتفت إليه ، وإذا مرّ بأسود ذي أسمال تأمّله ؛ فعلمت أنه يطلب ابقا . ووجده يوما الحكم بن أيوب عامل البلد فسبّه وقال : إنك خارجىّ منافق ، فائتني بكفيل ؛ فقال : أنت أيّها الأمير تكفلنى ، ولا أعلم أحدا أعرف منك بي ، فقال : وما علمي بك ، وأنا من أهل الشام ، وأنت من أهل العراق ! فقال إياس : ففيم الشهادة منذ اليوم ! وتبصّر الناس هلال شهر رمضان فلم يره أحد غير أنس بن مالك الأنصارىّ وقد قارب المائة سنة من العمر - فشهد عند إياس ، فقال إياس : أشر لنا إلى موضعه ، فجعل يشير ولا يرونه ؛ فتأمّل إياس ؛ وإذا شعرة « 2 » بيضاء من حاجب أنس قد انثنت وصارت على عينه ، فمسحها إياس وسوّاها ، ثم قال : يا أبا حمزة « 3 » ، أرنا موضع الهلال ؛ فنظر فقال : ما أرى شيئا . وقيل لإياس يوما : إن فيك عيوبا : دمامة الشكل ، وإعجابك بالقول « 4 » ، وعجلة بالحكم ؛ فقال : أمّا الدمّامة فليس أمرها إلىّ ، وأمّا الإعجاب بالقول ؛ أفليس يعجبكم ما أقول ؟ قالوا : نعم ، قال : فأنا أحقّ بالإعجاب بقولي ؛ وأمّا العجلة بالحكم ، فكم هذه ؟ ومدّ أصابع يده ، فقالوا : خمس ، فقال : أعجلتم بالجواب ولم تعدّوها إصبعا إصبعا ! فقالوا : كيف نعدّ ما نعلمه ! فقال : وأنا كيف أؤخّر حكم ما أعلمه « 5 » !
--> ( 1 ) ط : « وأيضا رأيت » . ( 2 ) ط : « بشعرة » . ( 3 ) أبو حمزة ، كنية أنس بن مالك . تهذيب التهذيب . ( 4 ) ط : « بما تقول » . ( 5 ) د : « قال : فكذلك أنا في الحكم » .